السرية في العمليات المصرفية مفهومها وضوابطها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

السرية في العمليات المصرفية مفهومها وضوابطها

مُساهمة من طرف زائر في الخميس سبتمبر 25, 2008 5:50 pm

أولاً : المسألة محل البحث :

لا يخرج معنى السرية في العمليات المصرفية عن أمرين :

الأول : كتمان المصرف أسرار عملائه والاحتفاظ لنفسه بالمعلومات المتعلقة بامورهم المالية ومنع موظفيه من نقل المعلومات الخاصة بعميل الى سواه من العملاء او الى غير العملاء.

والثاني : منع العاملين في المصرف (ومن ارتبط المصرف معهم بعلاقة عمل كالمستشارين ومراجعي الحسابات) من افشاء ما يعتبره البنك اسراراً تجارية ومالية خاصة به وما يدخل تحت ما يسمى "أسرار المهنة"، منعهم من إفشائها الى البنوك الأخرى او الى المؤسسات المنافسة له بطريق مباشر او غير مباشر.

وهذين أمرين درج عليها العرف المصرفي ويقبلها العقل ولا يرفضهما الدين وهما جماع ما يسمى السرية المصرفية، ولذلك فان هذه الورقة تسعى للوصول الى ما يلي :

- بيان ان كتم الأسرار في الأعمال التجارية أمر محمود لا يحرمة الدين.

- تقرير حدود كتم الأسرار وما يترتب على بعض أنواع الكتمان من مفاسد.

- تحقيق مسألة تعارض المصالح بين غرض كتم السر ومسؤوليات الفرد أو المؤسسة كما يقتضيها الدين.

- مسؤوليات الهيئات الشرعية (وبخاصة تلك التي تشير على أكثر من بنك) تجاه كتم أسرار المؤسسة المصرفية.



ثانياً : معنى السرية :

سر كل شئ لبه ومخه وجوفه والسر واحد الأسرار وهو الحديث المكتم في النفس. قال في المغرب : "أسر الحديث أخفاه" والإسرار خلاف الاعلان. قال تعالى : "وأسروا قولكم او اجهرو به". وساره اذا أوصاه. وقوله تعالى : "وأسروا الندامة" يعني كتموها. والكتمان ستر الحديث قال تعالى : "ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله". والسرور ما ينكتم من الفرح. ومعنى السرية فيما نحن بصدده كتم المصرف المعلومات المتعلقة بنشاطه او بعملائه وإخفائها عن الآخرين.



ثالثاً : السرية في العلاقة بين البنك وعميله :

تتسم العلاقة بين البنك وعملائه بما يسمى "الخصوصية". ولقد كانت أعمال البنوك ونشاط دور الصرافة وتصريف التجار أمورهم مما يحرص أصحابه على احاطته بالكتمان منذ القديم حتى صارت عرف التعامل بالأموال بين الناس. إلا ان عدداً من الدول اتجه الى تقنين هذه الخصوصية والسرية بتشريعات تلزم المصارف بحفظ أسرار عملائها، وتمنع الجهات الخارجية من الاستفادة من خفايا أعمال الآخرين اذا أطلعت عليها بغير إذنهم.

ولعل أكثر البلدان عناية بمسألة السرية المصرفية هي سويسرا التي للبنوك فيها تقاليد عريقة في هذا الصدد، واعراف ثابتة في هذا المجال إضافة الى القوانين الصارمة التي تحمي عملاء البنوك وتلبس المعلومات المتعلقة بهم ثوباً سميكاً من الكتمان والسرية. وتقدم أنظمة المصارف في سويسرا مثالا لأعلى ما وصلت اليه العناية بالسرية في أعمال المصارف ولذلك فهي جديرة بوقفة في معرض حديثنا عن السرية المصرفية. يمكن تلخيص معالم السرية المصرفية في سويسرا بما يلي :

ان الأصل في العلاقة بين البنك والعميل هو الكتمان ولذلك فإن على البنوك الالتزام بالسرية في علاقتها مع العميل وعليها كتمان كل المعلومات التي يقدمها العميل عند فتح الحساب عن كل أحد كائناً من كان حتى لو لم يفتح العميل ذلك الحساب وانما اكتفى بابداء الرغبة في ذلك.

ولا يقتصر التزام البنوك السويسرية بالسرية على الافادات التي يقدمها العميل عند فتح الحساب او بعد ذلك، بل يشمل كل ما يتعلق بالعميل من معلومات حتى تلك التي يجمعها البنك بنفسه عنه من مصادر أخرى وكذا الاستنتاجات والملاحظات التي يسجلها البنك في دفاتره عن ذلك العميل.

ليس للبنك ان يقرر ما اذا كانت المعلومات عن عميل من العملاء مهمة أو غير مهمة بل كل ذلك راجع الى العميل نفسه، حتى مجرد كون ان حساباً قد فتح للعميل يعد أمراً سرياً.

ليس للسرية حد زمني. فلا يجوز للمصرف إفشاء اسرار عميل حتى بعد إقفال ذلك الحساب وسحبه أمواله من البنك.

ليس للبنك افشاء هذه المعلومات لكائن من كان إلا بأمر مكتوب من العميل نفسه إلا في الحالات التي يتلقى البنك أوامر من جهة قضائية ويكون ذلك متعلقاً بقضية جنائية. علماً بأن التهرب من الضرائب الذي يعد جناية ومن ثم يدخل في هذا الاستثناء يقتصر في القانون السويسري على اؤلئك الذي يفعلون ذلك مع سبق الاصرار والترصد وليس مجرد التأخر في دفعها او الخطأ في حسابها. ولذلك ليس مجرد اتهام الشخص بالتهرب من دفع الضرائب كافياً لكشف أسراره لدى البنوك السويسرية.

وترجع قوانين السرية المصرفية في سويسرا الى سنة 1713م عندما كان المصرفيون السويسريون يديرون أموال لويس السادس عشر ملك فرنسا وكان حريصاً على اخفاء ذلك وكتمه عن اعدائه ومنافسيه. فوجد في المصرفية السويسرية موضعاً لإستثمار أمواله بثقة وسرية. إلا ان النقلة المهمة في تطور السرية المصرفية في سويسرا إنما جاءت في سنة 1934م عندما صدرت في ذلك البلد قوانين صارمة لحفظ الأسرار المصرفية رداً على سعي حكومة النازي في المانيا في متابعة وملاحقة اؤلئك الذي يخرجون أموالهم منها مخالفين قوانين مراقبة العملة التي طبقتها تلك الحكومة في الثلاثينيات، إذ أكثرهم كان ينقل تلك الأموال الى سويسرا التي كانت محايدة في الحرب الكونية الثانية.



وتستمد السرية المصرفية في سويسرا أساسها القانوني من أربعة مصادر :

الأول : هو العلاقة التعاقدية بين البنك وعميله حيث تنص أحكام وشروط فتح الحساب لدى البنك على هذه السرية.

الثاني : القانون المدني السويسري حيث ينص في مواده على ان المؤتمن على الأسرار يعاقب اذا كشفها.

الثالث : قانون البنوك حيث ينص على السرية المصرفية ويلزم البنوك بها.

والرابع : قانون العمل الذي يمنع الموظف من كشف الأسرار التي يطلع عليها خلال عمله ومن هنا صار العاملون في المصارف السويسرية ملزمين بكتم الأسرار حتى لو تركوا العمل في البنك.

ولذلك يعلم عملاء البنوك في سويسرا ان بيدهم سلاحاً ماضياً و"أرضية" قانونية صلبة لمقاضاة البنوك والأفراد الذين يعملون فيها في حال انكشاف اسرارهم للآخرين، كما تعرف البنوك والعاملين فيها ان لا مهرب من العقاب في حالة افشاء سر عميل. حتى صارت السرية المصرفية بحد ذاتها قوة جذب عظيمة للأموال الى بنوك سويسرا.

والغالب في دول العالم الأخرى ان تستمد السرية المصرفية قانونيتها من العلاقة التعاقدية بين العميل والبنك فحسب اذ لا يوجد في هذه البلدان قوانين مختصة بالسرية المصرفية. ولذلك نجد ان نشرة الأحكام والشروط التي يوقع عليها العميل عند فتح الحساب الجاري لدى البنك (ومعلوم ان الحساب الجاري هو مفتاح التعامل مع البنوك في أي نوع من المعاملات) لا تخلو من النص على مسألة السرية. ولكن هذه السرية على ضعفها مقارنة بحال البنوك السويسرية يرد عليها (في أكثر دول العالم) استثنآت :

حاجة الجهات الرقابية والإشرافية على العمل المصرفي الى الاطلاع على دفاتر البنك، فليس للبنك اخفاء المعلومات المتعلقة بالعملاء عنها، وكذلك الحال عند طلب الجهات القضائية لاي غرض كان مثل تلك المعلومات. اما ادارة الضرائب، وجهات مراقبة غسيل الأموال فان لها مطلق الحق في أكثر دول العالم في الإطلاع على حسابات العملاء عند شكها في ان ما قدموه من معلومات حول ثروتهم ودخلهم ليست بالصحيحة. وفي البلاد التي تحظر الاسترباح من سوق الأسهم اعتماداً على معلومات خصوصية (غير معلنة) تقوم الجهات الرسمية بالاطلاع على حسابات من تشك في أمرهم وليس للبنوك منعها من ذلك. وتلزم الجهات الرقابية البنوك في كثير من البلدان بكشف أسرار أنواع من العملاء بصفة مستمرة مثل من قام بتحويلات مالية كبيرة ونحو ذلك الى خارج البلاد او الى جهات معينة.

والاستثناء الثاني ما تتبادله البنوك من معلومات مع بعضها البعض حول المدين المماطل والمفلس. فقد وجدت المصارف في كثير من بلدان العالم ان إخفاء مثل هذه المعلومات عن بعضها البعض يجعلها ضحية لضعاف النفوس. ولذلك فانها تنشئ قاعدة معلومات تدرج فيها اسماء العملاء الذين يتحقق فيها شروط وصفات متفق عليها – وأحياناً تصدر بها تعليمات من البنك المركزي- يعد صاحبها مستحقاً للادراج في القائمة.

ومنها ما تنص عليه نشرة الأحكام والشروط الخاصة بفتح الحساب من ان التعامل بين البنك والعميل هو "تعامل بحسن نية" Good Faith Dealing ومعلوم ان حسن النية ليس مفهوماً منضبطاً مما يطلق يدها في كشف الأسرار عند أدنى شك كما يحميها من المسائلة عند افشاءها أسرار عميل اذ تستطيع الادعاء دائماً أنها شكت في ان مصدر أمواله المودعة لديها ليس شريفاً.

أما في الولايات المتحدة فان مسألة السرية المصرفية فيما يتصل بعلاقة البنك مع عملائه تتجاذبها قوى متعددة ومتناقضة اذ بينما اصدر الكونجرس قانوناً يحمي الخصوصية الفردية وهو Right to Finncial Privacy act والذي قرر فيه حقوق الفرد في الخصوصية والسرية لمعلوماته المالية وحقه بالاحتفاظ بها لنفسه ومنع الآخرين من الإطلاع عليها. في نفس الوقت نجد أن قانون السرية المصرفية Bank Secrecy Act الصادر عن الكونجرس أيضاً تضمن نصوصاً ومتطلبات على المصارف تؤدي عملياً الى تحويل البنوك الى ادارات لجمع المعلومات عن العملاء لصالح الحكومة والتجسس على المواطنين.

ينص هذا القانون على مسؤولية البنك عن عملائه وضرورة وضع ملف لكل عميل تجمع فيه كافة المعلومات عنه بغير علمه ولا يسمح لها حتى باخباره باستنتاجات البنك في شأنه والتي يجب ان تبلغ للحكومة بغير أذنه، في اللحظة التي يتسرب الشك الى إدارة البنك في عميلها. كما انها مسؤولة ان ثبت ذنبه ولم يكن البنك قد جمع المعلومات لانه لم ينتبه الى علامات مؤشرات كان يمكن ان تدل على حقيقة شأنه.

وتصل عدد التقارير من هذا النوع التي تقدمها البنوك الى الجهات الأمنية نحو 50.000 تقرير سنوياً تعرض المعلومات التفصيلية عن أصحابها في قاعدة معلومات يطلع عليها العاملون في الجهات الأمنية مثل الشرطة والمباحث والجمارك وغيرها على طول الولايات المتحدة وعرضها كل ذلك بدون علم العميل وبغير الحصول على اذن منه ولا حتى الترخيص من النائب العام او القضاء مع انها تحمل في طياتها الاتهام لذينك العملاء بارتكاب نشاطات غير قانونية.



رابعاً : علاقة السرية المصرفية بما يسمى غسيل الأموال :

يقصد بغسيل الأموال في المصطلح المعاصر العملية التي يتم فيها اخفاء مصادر أموال يكون مصدرها غير مشروع وايداعها في حسابات مصرفية قانونية تمكن صاحبها من التصرف بها بصورة مشروعة.

وقد بدأت القوانين التي تلزم مودعي الأموال في الحسابات المصرفية (اذا زادت عن مبلغ معين) بان يفصحوا للبنك عن مصدرها وتعطي البنوك الصلاحيات للمطالبة بإثبات ذلك المصدر، بدأت في السبعينات من القرن الماضي عندما انتشرت (بخاصة في الولايات المتحدة) ظاهرة إيداع الأفراد مبالغ كبيرة من الناض يأتون بها الى فروع البنوك معبأة في أكياس ثم يودعونها في حسابات لدى تلك البنوك. ومع ان العاملين في المصرف كان يساورهم الشك دائماً ان تكون تلك الأموال قد جمعت من ترويج المخدرات إلا ان القانون لم يكن يعطي البنوك حق مطالبة العميل بمعلومات عن مصادر أمواله. كما كان العاملون في البنك يترددون في اخبار الجهات الأمنية عن مثل تلك الوقائع خوفاً من ان يكون في عملهم ذلك خرقاً لقوانين السرية المصرفية.

جاءت هذه القوانين عندئذٍ لكي تمنع استخدام المجرمين من مهربي الأسلحة ومروجي المخدرات من الاستفادة من قوانين السرية المصرفية "لتبييض أموالهم" أي ادخالها في النظام المصرفي ثم التصرف بها كما لو كانت مصادرها "نظيفة".

لا ريب ان مثل هذا المطلب غرض شريف ومقصد نافع وعمل مفيد لكن كثيراً من الحكومات استغلت ذلك لتضييق حدود السرية المصرفية ومنح نفسها الصلاحيات للاطلاع على كافة الحسابات لدى المصارف بحجة محاربة الأرهاب وغسيل الأموال. الأمر الذي جرد السرية المصرفية في هذا الجانب من معانيها حتى صارت لا تكاد توجد في أكثر البلدان. بل جعلت هذه القوانين البنوك أداة لتوفير المعلومات للجهات الأمنية عن عملاء البنك بريئهم ومذنبهم.



خامساً : السرية في عمل المصارف أو ما يسمى "سر المهنة" :

تعرضنا فيما سبق للسرية في جانب علاقة المصرف مع عملائه. ولكن للسرية في عمل المصارف جانب آخر هو حفظ المصرف اسرار عمله وحرصه على احاطة نشاطه بالكتمان عن منافسيه.

لكل مهنة سر يحرص أصحابها على كتمه عن الناس، لانهم يعتقدون ان اطلاع الآخرين يفوت عليهم فرص الربح ويسلبهم عنصر التميز.

والمصارف لها مثل ذلك اذ انها تنافس في الأسواق على جذب العملاء من خلال تقديم خدمات مبتكرة ومنتجات جديدة وفي ابتكار أساليب وطرق تقلل التكاليف فتمكن من تخفيض أسعار الخدمات مما يجذب العملاء ويؤدي الى زيادة الأرباح. وكل ذلك مما تحرص المصارف على إخفائه عن المنافسين لانها تراه سلاحها الماضي في السبق الى الفرص وتوسيع حصتها السوقية. وهي تلزم العاملين لديها بمثل ذلك وتعاقبهم اذا نقلوا شيئا من أسرارها الى منافسيها. وصل الأمر بها الى الزام الموظفين بهذه السرية في نصوص عقود عملهم وحملهم عند تقاعدهم او استقالتهم او فصلهم عن لعمل لديها على توقيع اتفاقية كتم الأسرار حيث يقر ذلك الموظف ان فضحه لسر من أسرار البنك الى الآخرين سيترتب عليه حرمانه من حقوق التقاعد او مكافآت نهاية الخدمة او اقامة الدعاوى القضائية عليه للتعويض عن الضرر، وما الى ذلك.

زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: السرية في العمليات المصرفية مفهومها وضوابطها

مُساهمة من طرف زائر في الخميس سبتمبر 25, 2008 5:51 pm

وليست البنوك في ذلك نسيج وحدها فكل المؤسسات التجارية والصناعية تحرص على مثل ذلك. إلا ان للمصارف خصوصية في مسألة "سر المهنة" تجعل مسؤولية العاملين فيها نحو كتم الأسرار اكبر من سواها من المؤسسات الأخرى. ان الابتكارات والمخترعات وحتى الاجراءات الصناعية يمكن تسجيلها في قطاع الصناعة والزراعة وكما يمكن الحصول فيها على براءة اختراع، فتتمتع بالحماية القانونية التي تمكن مالكها من منع الآخرين من الاستفادة منها إلا بإذنه، وارغامهم دفع التعويض عن ذلك في حالة الضرر عليه. وليس الأمر كذلك بالنسبة للمبتكرات والمخترعات المالية والمصرفية اذ لا يمكن تسجيلها ومن ثم فلا سبيل لحفظ حقوق المصرف فيها إلا بكتمها أسرارها عن المنافسين ومنع العاملين في البنك من افشائها. فاصبحت المحافظة على سر المهنة ذات أهمية خاصة في عمل المصارف.



سادساً : مشروعية اعتماد السرية في الأعمال والنشاط التجاري :

الخصوصية والسرية أمر حكيم وطبع محمود وسلاح ماضٍ في الوصول الى الأهداف. وهو ما تسير عليه المؤسسات المالية في يوم الناس هذا فكل نشاطها يحاط بالكتمان والسرية. ولا ضير في ذلك ولا مخالفة فيه بل هو من الحزم. قال الماوردي في أدب الدنيا والدين : "أعلم ان كتمان الأسرار من أقوى أسباب النجاح وأدوم لأحوال الصلاح".

وقد أشار السلف الى ذلك وامتدحوه وحثوا عليه واستدلوا على جوازه بادلة منها :

قوله تعالى في سورة يوسف : "لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكيدوا لك كيداً". قال الجصاص في أحكام القرآن "وهو أصل في جواز ترك اظهار النعمة وكتمانها عند من يخشى حسده وكيده وان كان الله قد أمر بإظهاره يقول تعالى : "واما بنعمة ربك فحدث". فدل على ان للانسان ان يكتم من أموره ما يخشى ان يؤدي ظهور الاعداء عليه الى الاضرار به، حتى لو كان أمراً مما يجب التصريح به في الأحوال العادية.

وقوله صلى الله عليه وسلم : "استعينوا على الحاجات بالكتمان فان كل ذي نعمة محسود". صريح في جواز تبني السرية سياسة ادارية وترتيب أمور المؤسسة على نظام قوامه كتم الأسرار.

وفي السنة الفعلية ما ورد في السيرة من أنه صلى الله عليه وسلم كان يستعين بالكتمان في غزواته عليه السلام وفي هجرته وفي شئونه المهمة. وقد ورد في سيرته انه صلى الله عليه وسلم دخل على ابي بكر قبيل هجرته لى المدينة وكان عنده قوم جلوس فطلب صلى الله عليه وسلم منه، لشدة تحرزه في أمر الهجرة وكتمه أمرها عن كل أحد إلا خاصته صلى الله عليه و سلم، طلب من ابي بكر ان يخرج من عنده حتى يحدثه في أمرها فقال له ابوبكر رضي الله عنه "إنما هم أهلك".

ومنها ماورد في النهي عن النميمة، فقد ادخلوا فيها إفشاء الأسرار فقد ورد في الحديث عن عبدالله بن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال انهما يعذبان ومايعذبان في كبير أما احدهما فكان لا يستتر من البول اما الآخر فكان يمش بالنميمة...الخ الحديث". قال شارح انوار البروق "فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه وحينئذٍ ينبغي السكوت عن حكاية كل شئ شوهد من أحوال الناس إلا ما في حكايته نفع لمسلم او دفع ضر كما لو رأى من يتناول مال غيره فعليه ان يشهد به بخلاف مالو رأى من يخفي مال نفسه فذكره فهو نميمة وإفشاء للسر".

يمكننا القول عندئذٍ ان كتم المصرف أسرار عملائه وحفظه المعلومات الخاصة بهم بعيداً عن نظر وعلم الآخرين هو من الأمور المحمودة والاعراف الموافقة لأحكام الشرع الحنيف. كما ان للمصرف ان يحتفظ لنفسه بأسرار مهنته وان يمنع الآخرين من الإطلاع عليها لان هذا نوع من الاستعانة على قضاء الحاجات بالكتمان وهو مشروع.



سابعاً : حدود كتمان الأسرار :

بينما ان الأصل جواز كتم الأسرار وحجب المعلومات التجارية عن الآخرين. إلا ان من المعلومات ما لايجوز كتمانه ولا حجبه عن اولئك الذين تتضرر مصالحهم بالجهل به، اذا كان من حقهم الإطلاع عليها. ولذلك فان العاملين في المصرف وان كان يلزمهم كتمان الأسرار في مؤسستهم وليس لهم ان يخالفوا أمرها في ذلك إلا انه لا يجوز لهم إخفاء مثل هذه المعلومات بل يجب عليهم إظهارها وبيانها فإن أمروا بغير ذلك، فالطاعة ليست واجهة عليهم. من ذلك مثلاً :

لا يجوز للتاجر ومن يتعامل مع الناس بالبيع والشراء والمعاملات المالية ونحوها ان يكتم العيوب فيما يبيع لهم وليس من حقه ان يفعل ذلك، ولا يدخل اخفاء عيب السلعة في الكتمان المحمود. لقوله صلى الله عليه وسلم: "البيعان بالخيار مالم يتفرقا او قال حتى يتفرقا فان صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وان كتما وكذبا محقت بركة بيعهما".

وجمهور الفقهاء على ان البائع ان علم عيباً فكتمه فالمبيع مردود. قال الشافعي رحمه الله في الأم : "الذي أذهب اليه من البيع بالبراءة ان من باع حيواناً بالبراءة برئ من كل عيب إلا عيباً كتمه البائع عن المشتري وقد علمه كما قضى عثمان بن عفان رضي الله عنه فإن علم البائع عيباً فكتمه فالبيع مردود بالعيب". فان كان العيب معلوماً للبائع عند البيع فجمهور الفقهاء على عدم جواز كتمه. ولذلك اذا أمرت المؤسسة العاملين فيها بكتم الأسرار وجب عليهم الالتزام بذلك إلا مثل هذه الاسرار فيجب عليهم الافصاح فيها. والعيوب في السلع معروفة، فكيف تكون العيوب في الخدمات المصرفية. الواقع ان كل شئ خالفت حقيقته وصف البائع له مع علمه بهذا الاختلاف فهو مردود. ولذلك اذا علم ان المصرف يقدم خدمات لعملائه يصفها كقوله "خالية من الربا" وهي ليست كذلك فهو من العيوب التي لا يجوز للعاملين على المصرف طاعة اذا طلب منهم كتمها عن العملاء.

كما لا يجوز لمن علم ان المؤسسة التي يعمل فيها ترتكب أعمالاً لا تجوز، او تتآمر للاعتداء على اعراض او اموال الآخرين او ما الى ذلك مما هو ممنوع في الشرع ان يكتم ذلك حتى لو أمر من قبل رؤساءه بذلك اذ لا يندرج كتم مثل هذا العمل تحت أمانة المجلس بل هو تعاون على الأثم والعدوان وقد نهينا عن مثل ذلك.

أخرج ابو داود عن جابر رضي الله عه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس سفك دم حرام او فرج حرام او إقتطاع مال بغير حق".

اذا ترتب على الكتمان ضياع حقوق الناس التي على المصرف لم يلزم العاملين كتم أسراره المتعلقة بهذا الأمر، من ذلك مثلاً :

أ - الأصل انه لا يجوز تغييب المال للتهرب من الزكاة فان كانت المؤسسة تفعل مثل ذلك وتكتمه عن الجهات ذات العلاقة فليس على العاملين فيها او مستشاريها مساعدتها بكتمان سرها ومعلوم ان من فعل ذلك عوقب وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه اذا ظهر على مال قد غيب عن الصدقة خمسة.

وقد يستثنى من مثل ذلك مسائل. فقد اجاز بعض الفقهاء تغييب المال في حالات. قال الماوردي في الأحكام السلطانية: "اذا كان العامل جائراً في الصدقة عادلاً في قسمتها جاز كتمها وأجزأ دفعها اليه وان كان عادلاً في أخذها جائراً في قسمتها وجب كتمانها منه ولم يجز دفعها اليه".

ومعلوم ان في المسألة اختلاف بين الفقهاء. ولذلك اذا توافرت شروط الافصاح لم يجز للمؤسسة الكتمان ولم يجز للعاملين فيها مساعدتها على ذلك.

ب- لا يجوز كتم الشهادة لقوله تعالى : "ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه".

قال الجصاص في أحكام القرآن "نهى الله الشاهد عن كتمان الشهادة التي تركها يؤدي الى تضييع الحقوق". ولا يخفى ان ما يتوافر من معلومات لدى البنوك يكون له في كثير من الأحيان أهمية بالغة في قضايا جنائية ومدنية، كالأرث والطلاق والمطل في الحقوق ونحو ذلك. ولذلك اذا كانت هذه المعلومات مهمة لإثبات حق لم يجز كتمها اذا طلب من البنك ان يفصح عنها بأمر قاضٍ قد عرضت القضية عليه. ولكن ليس للعاملين في البنك الافصاح عنها إلا بأمر رب العمل لان الأسرار ملك له ما دامت متعلقة بأعمال مشروعة.

وليس المصرف ملزماً بكتم أسرار ارباب الجريمة وأهل الفجور ممن يكون كسبه للمال من مصادر غير جائزة كبيع الخمور او ترويج المخدرات او خيانة المسلمين ونحو ذلك.



ثامناً : مسؤولية المستشار :

ومما نعني به في هذه الورقة علاقة الهيئات الشرعية بالبنوك التي تشير عليها فانها مختصة بمسألة السرية وكتم المعلومات. ذلك ان المؤسسات المالية تطلب ممن يعمل معها في مجال الاستشارات ان يكتم اسرارها، وان لا يبوح بشيئ مما يعرض عليه من أنواع التطويرات والابتكارات المالية ونحوها الى المنافسين. وهذه المسألة مهمة للهيئات الشرعية باعتبار ان الاعضاء فيها كثيراً ما يكونون اعضاء في عدد من الهيئات في مؤسسات تتنافس في نفس مجال العمل. ولذلك كان على عضو الهيئة الشرعية مسؤولية تجاه عمله الاستشاري هي :

النصح لمن استشاره : فقد جاء الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "إن من حق المسلم على المسلم اذا استنصحه ان ينصحه". وهذا مقتضى عمله عضوا في هيئة شرعية قال ابن الأثير في النهاية النصح هي ارادة الخير للمنصوح له.

حفظ الأمانة : اخرج أنس رضي الله عنه : ما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال : "لا أيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له". وقد روى محمد بن المنكدر عن عائشة رضي الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم : "المستشير والمستشار مؤتمن". وروى أحمد وابو داود انه صلى الله عليه وسلم قال : "المجالس بالأمانة". فيجب على المستمع ان يترك اعادة ما سمع في مجلس اذا اؤتمن على ما قيل فيه.

كتم الأسرار : فاذا وصف الأمر عند إطلاع الهيئة عليه بانه سر لزم على اعضائها كتمه وعدم افشائه الى الآخرين. وقد اورد ابن مفلح في الآداب الشرعية نقلاً عن ابن عبدالبر الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من أسر الى أخيه سراً لم يحل له ان يفشيه عليه". وروي الحاكم عن ابن مسعود انه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "انما يتجالس المتجالسان بالأمانة لا يحق لأحدهما ان يفشي على صاحبه مايكره".



تاسعاً : كتمان العلم وعلاقته بالمسألة محل البحث :

لا يجوز كتم العلم بل الواجب نشره، ولازم على العلماء تبيين الأحكام لقوله تعالى : "واذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيينه ولا تكتمونه" (آل عمران 187).

قال القرطبي في أحكام القرآن : "اختلفوا في المراد بذلك فقيل احبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وقد كتم اليهود امر الرجم وقيل المراد كل من كتم الحق فهي عامة في كل من كتم علماً من دين الله يحتاج الى بثه.

وقال ابن كثير في تفسيره : "وفي هذا تحذير للعلماء ان سلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم ويسلك بهم مسالكهم فعلى العلماء ان يبذلوا ما بايديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح ولا يكتموا منه شيئاً".

ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرج ابن ماجه من رواية ابي هريرة "من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار".

ورب قائل : ان على العلماء ان يبينوا وليس لهم كتمان العلم. واعضاء الهيئات الشرعية ممن يتعرض للسؤال والاستفتاء فهل له ان يكتم شيئاً من ذلك بحجة ان الحديث عنه إفشاء لأسرار اؤتمن عليها. على سيل المثال. فاذا اكتشف أحد البنوك مثلاً ان بيع العربون يصلح بديلاً مشروعاً عن بعض أنواع الاختيارات المالية وحجم بناء على ذلك منتجات جديدة ستكون مصدراً لأرباح كثيرة لن تتحقق إلا بكتم هذا الموضوع حتى يصل الى ان يطرح في الأسواق. فهل يجوز لعضو الهيئة وهو يجيب عن مسألة متعلقة ببيع العربون ان يتطرق الى ذلك في معرض الجواب بحجة أن امتناعه كتم للعلم وهو منهي عنه؟



الحقيقة ان مسألتنا لا تدخل في كتم العلم لأسباب :

ان ما يطلع عليه الناس في المؤسسة المصرفية، وما تحتفظ به الشركات من معلومات وكذا ما يكون بين يدي الهيئات الشرعية لدى البنوك الإسلامية كل ذلك ليس من جنس العلم الذي يأثم كاتمه بل هو في الجملة تطبيقات معتمدة ومستمدة من قواعد العلم وارقام ومعلومات ذات خصوصية ولذلك لا يكون كتمانها من كتم العلم. ومنها ما ذكر أعلاه فانه نوع تطبيق وليس معرفته لبين الحكم الشرعي.

ان المنهي عنه انما هو كتم العلم اذا تعين على العالم إفشائه ولا يكون ذلك إلا اذا لم يوجد سواه للتبليغ.



قال القرطبي : "وتحقيق الآية هو ان العالم اذا قصد كتمان العلم عصى واذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ اذا عرف انه مع غيره واما من سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية والحديث. وقال ابن العربي في أحكام القرآن: "والصحيح عندي ما أشرنا اليه من انه ان كان هناك من يبلغ اكتفى به وان يتعين عليه لزمه".



عاشراً : علاقة ما يسمى "تضارب المصالح" بعمل هيئات الرقابة الشرعية:

الهيئات الشرعية واعضائها الذين هم من أهل العلم والتقى في الجملة ليسوا مضنة الخيانة، ولا تستفزهم المكاسب الدنيوية واغراء المال فينزعون بهما الى التهاون في الفتوى وغض النظر عن المخالفات الشرعية مجاملة للجهة التي تشير عليها الهيئة. ومع ذلك فان النفس أمارة بالسؤ واعضاء تلك الهيئات بشر خطاء.

والغربيون لا يتركون مثل هذا الأمر لقيم الفرد واخلاقه مهما علت ولا يحملون الناس على حسن الظن.

ولذلك فانهم يعنون في معاقداتهم الاستشارية بما يسمى تضارب المصالح Conflict of Interest. ويقصدون به في مسألتنا هذه الاوضاع التي تكون مصلحة العامل في المؤسسة او المتعاقد معها متناقضة مع مصلحة تلك المؤسسة التي يعمل فيها. فمثلاً مدير أحدى الشركات وهو موظف فيها يملك هو بنفسه شركة للصيانة. ثم تقدمت عدد من الشركات لمناقصة صيانة معدات تلك الشركة ومنها الشركة التي يملكها المدير. لا ريب ان تناقض مصالحه الشخصية مع مصالح الشركة التي يديرها امر محتمل اذا اختار للمناقصة شركته ولم تكن افضل الشركات او ارخصها. وليست كل حالات تعارض المصالح بهذا الوضوح ولذلك فان متخذي القرارات في الشركات كثيراً ما يطلب منهم توقيع وثيقة تنص على ادراكهم لمسألة تناقض المصالح وتعهدهم انهم كلما ساورهم الشك في انهم في وضع يمكن وصفه بالتناقض ان يناقشوا الأمر مع رؤسائهم.

ولذلك وجدنا عدداً من المؤسسات المالية تلزم اعضاء هيئتها الشرعية بتوقيع مثل تلك الوثيقة. ونظراً الى تعقيد هذا الأمر وصعوبة التنبئ بما يمكن ان ينضوي تحت تعريفه فان مثل تلك الوثائق تتسم عادة بالعمومية.

الواقع ان اعضاء الهيئات الشرعية انما يشيرون على المؤسسات المالية لانه يحدوهم الأمل في رفع بلوى الربا من مجتمعات الإسلام وما يحصلون عليه من مكافآت لايقاس بما يحصل عليه من هو دون مكانتهم من عامة المستشارين.

ولذلك فليس من ديدنهم كتمان ما يتأكد لديهم من أمور واجراءات واجتهادات وفتاوى، تؤدي الى الوصول الى الهدف كتمانها عن عامة الناس لمجرد ان مؤسسة تريد الاسترباح منها. كما ان التزامهم الديني والاخلاقي يرغمهم النصح والتوجيه وتكرار ذلك. ولذلك فان مقاصد اعضاء الهيئة مع شرفها وعلو شأنها ربما تكون متناقضة مع مصالح تحقيق الأرباح من قبل المؤسسة المصرفية.

وعلى ذلك فان مسألة تضارب المصالح لها تعلق بعمل الهيئات الشرعية.



حادي عشر : معيار معرفة المعلومات التي يجب على اعضاء الهيئات الشرعية كتمها :

من الجلي ان من المعلومات المتعلقة بالمصرف والتي تطلع عليها الهيئات من خلال عملها الاستشاري ما يكون من حق المصرف كتمه والزام تلكم الهيئات بعدم إفشائه .

فاذا استثنينا ما كان في كتمانه مخالفة شرعية، فما هو معيار تحديد ما يلزم كتمه وعدم افشاءه للآخرين وذلك الذي لا يكون في كشفه مخالفة للمتطلبات الأخلاقية فيذلك. اذا كان لنا ان نستفيد من معايير السرية التي تتبناها المهن الاستشارية امكن لنا ان نقترح هذا المعيار. يمكن القول ان السر الذي يجب على الهيئة كتمه لابد ان تتوافر فيه الشروط التالية :

ان يطلع عليه عضو الهيئة في ضل وجود علاقة عمل مع مؤسسة مصرفية اما الاطلاع عليه ضمن علاقة اخرى فلا يلزم الكتمان.

لابد ان تكون المعلومات لها صفة السرية فالمعلومات التي ليس لها هذه الصفة لا يلزم كتمها حتى لو وقع الاطلاع عليها ضمن نطاق العلاقة الاستشارية.

لابد ان تبلغ المعلومات بصفة سرية فاذا عرضت بحضرة آخرين ليسوا مرتبطين بعلاقة عمل مع المصرف، فلا تكون اسراراً.

ومالم يتوافر على هذه الشروط فليس مما يلزم كتمه، حتى لو كان محبباً الى المؤسسة المصرفية ان يكتم جميع أمرها

زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى